|
المقدمة:
لازلنا في المملكة الأردنية الهاشمية نأمل بأن يتم إنشاء محكمة دستورية ولا يساورنا الشك في أن ذلك سوف يتحقق لما لدى القيادة من توجهات فكرية نيرة، وبنفس القدر نأمل من السادة المحامين والقضاة ان يتصدوا لكل قانون او مادة في قانون او نظام يخالف الدستور بالامتناع عن تطبيقه بالنسبة للقاضي بناء على طلب الدفاع ونأمل من المحاكم العليا ان تصدق أية قرارات تصدر عن المحاكم الأدنى والذي نأمل أكثر ان تتصدى محكمة العدل العليا بالحكم بالإلغاء لأي مادة او قانون أو نظام يخالف الدستور.
وللوقوف على جوانب تطور الرقابة الدستورية على القوانين فإننا سنستعرض ذلك من خلال ما يلي.
أولا:. التطور التاريخي للرقابة على القوانين في الولايات المتحدة الأمريكية.
ثانيا:.انتشار الرقابة القضائية على دستورية القوانين.
أ-محاكم بعض الدول التي تأخذها الرقابة على دستورية القوانين.
ب- الدول التي نصت دساتيرها صراحة على حق القضاء في الرقابة على دستورية القوانين.
ثالثا:. بعض القوانين او المواد القانونية التي تخالف الدستور الأردني.
1) الولايات المتحدة هي الدولة الأسبق التي شيدت صرح الرقابة القضائية على دستورية القوانين:.
أ- لم يتضمن الدستور الأمريكي نصا يقرر حق المحاكم في رقابة دستورية القوانين لكنه تقرر من جانب القضاء وتأيد من الفقه: ب- مرت الرقابة في أمريكيا بمراحل متعددة ولم تنشأ دفعة واحدة حيث كانت المحاكم الأمريكية تطبق القوانين دون التعرض لمدى مطابقة أحكامها مع القواعد الدستورية في الدولة كما هو الحال لدينا.
ج- كانت بعض المحاكم الأمريكية قبل نشأة الاتحاد عام 1789 تباشر الرقابة الدستورية على القوانين من خلال احكام عديدة منها حكم محكمة ولاية نيوجرسي في سنة 1780 التي قضت ببطلان هيئة محكمة من 6 محلفين لمحاكمة بعض المجرمين في جرائم معينة مخالفة بذلك ما استقر عليه العرف الدستوري من ان هيئة المحلفين تتكون من (اثني عشر) عضوا أيضا حكم محكمة كارولينا الشمالية سنة 1787 م في قضية فحواها عدم دستورية قانون اعترف بملكية العقارات المشتراة من ما صودر من أموال خصوم الثورة.
أما القضية الشهيرة التي تعتبر أساس الرقابة لدى المحكمة الاتحادية العليا على دستورية القوانين فهي قضية القاضي ماربوري (Marbory) ضد ماديسون (Madeson) والتي تتلخص وقائعها في انه بعد فوز الرئيس توماس جيفرسون في نهاية عام 1800 وأنصاره من خصوم الاتحاديين - اتجه الاتحاديون إلى تعيين بعض القضاة ممن يحملون لواء سياستهم ويستطيعون الوقوف في وجه الرئيس والكونجرس الجديدين حيث عمدوا إلى تعيين الوزير جوردن مارشال رئيسا للمحكمة العليا سنة 1801 في شهر كانون /2 وإنشاء ست محاكم إقليمية جديدة وتعيين 16 قاضيا جديدا للعمل فيها وتعيين عدد من القضاة للعمل في ولاية كولومبيا هذه القرارات صدق عليها الرئيس جون ادمنر في ليلة انتهاء مدة رئاسته، الوزير مارشال كان وزيرا للداخلية ويعين رئيسا للمحكمة العليا - اغفل عن ارسال كتب التعيين إلى القضاة بسبب حالة الاستعجال.
تولى الرئيس الجديد توماس مهام المنصب وانتهز السهو ليحول دون اكمال إجراءات التعيين لأكبر عدد ممكن من القضاة الموالين لحزب الاتحاديين المعارض فأصدر تعليماته الى الوزير الجديد ماديسون بأن يسلم أوامر التعيين إلى بعض القضاة دون البعض الآخر..
وكان القاضي ماربوري احد الذين صرف النظر عن تعيينهم فلم يقبل ولجأ الى المحكمة العليا التي أصبح رئيسها مارشال الذي كان وزيرا للداخلية.
هنا وقعت المحكمة العليا في حرج فإن قضت لصالح ماربري كانت معادية للإدارة الجديدة وان قضت لغير صالحه كانت معادية للإتحادين الذي ينتمي إليهم مارشال رئيس المحكمة فأخذت موقفا وسطا بين ذلك حيث حكمت بأحقية المدعي القاضي ماربري بالتعيين ولكنها رفضت اصدار القرار إلى وزير الداخلية بتسليمه أمر التعيين مستندة إلى ان القانون الذي حولها سلطة اصدار الأوامر غير دستوري ومن هنا أكد القاضي مارشال حق المحاكم في بحث دستورية القوانين واصدار المبدأ القائل بأن القاضي يطبق القانون لكن له الحق في عدم تطبيقه إذا كان يخالف الدستور.
وقد استمرت المحكمة الاتحادية العليا وسائر المحاكم الأمريكية في تأكيد توسيع الرقابة الدستورية. وساعدها في ذلك تطور الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية تطورا كبيرا منذ القرن التاسع عشر فلقد شهدت البلاد بعد نهاية الحرب الأهلية بداية التقدم الصناعي للرأسمالية مما أدى إلى مطالبة البعض بضرورة حماية الدولة الاتحادية للأفراد ضد تجاوزات الرأسمالية وحمايتها من أية معوقات تمنع تقدمها. وإذا كانت المحكمة الاتحادية قد ركزت اهتمامها في بداية الأمر لحماية طبقة الملاك فإنها في عام 1936اتجهت نحو حماية حقوق العمال كما اتجهت في عام 1953 إلى الدفاع عن المساواة المدنية والسياسية وفي عام 1990 إلى حماية الحرية الفردي وفي عام 1992 إلى حماية حرية التجارة ولم تقتصر رقابة المحكمة الاتحادية العليا على رقابة دستورية القوانين الاتحادية بل اخضعت تشريعات الولايات أعضاء الاتحاد للرقابة على دستوريتها عندما يطعن أمامها بالنقض في الأحكام الصادرة من المحكمة الاتحادية لكل ولاية إذ يتحقق من احترام تلك التشريعات للقوانين الاتحادية والدستور الاتحادي كما انها لم تقتصر على دستورية القوانين بل مدتها أيضا إلى شرعية اللوائح والقرارات الفردية وذلك لعدم وجود محاكم إدارية في النظام الأمريكي تختص بالفصل في المنازعات ذات الطابع الإداري فقضت في سنة 1948 في قضية سايا ضد ماير بعدم دستورية لائحة لتعارضها مع الحماية الصريحة لحرية الرأي، كما قضت في سنة 1952 في قضية اضراب عمال الصلب بعدم دستورية قرار صادر من الرئيس ترومان إلى وزير التجارة بالاستيلاء على جميع مصانع الصلب وإدارتها بعد ان هدد عمالها بالاضراب.
ثانيا:. انتشار الرقابة القضائية على دستورية القوانين.
إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعد أول دولة أخذت بفكرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين فإن هذه الفكرة قد انتقلت بعد ذلك إلى كثير من الدول فأخذت بها محاكم بعض الدول على الرغم من عدم وجود نص يعطيها هذا الحق كما نصت بعض الدول على هذه الرقابة في دساتيرها.
أ)محاكم بعض الدول تأخذ بالرقابة على دستورية القوانين:.
أخذت محاكم بعض الدول بالرقابة على دستورية القوانين وقررت ان من حق القضاء فحص مدى مطابقة القانون المعروض للدستور ومن ذلك حكم محكمة النرويج العليا سنة 1890 وحكم محكمة كريستيانا العليا سنة 1893 وحكم محكمة اريوباج باليونان سنة 1904 وحكم محكمة النقض في رومانيا سنة 1912 والذي جاء فيه ((حيث انه في التعارض يكون من حق القاضي التثبت من دستورية القانون العادي فإذا اتضح مخالفته للدستور وجب عليه تفضيل النصوص الدستورية.ولا يمكن القول بان القاضي في هذه الحالة قد خرج عن اختصاصه واعتدى على اختصاص السلطة التشريعية بل بالعكس ان القاضي بعمله هذا انما يقوم بوظيفته القانونية وهي معرفة أي قانون يجب تطبيقه في النزاع المطروح أمامه)) ومن ذلك أيضا القضاء المصري منذ صدور حكم محكمة القضاء الإداري في 10 شباط سنة 1948 وحتى إنشاء المحكمة العليا في سنة 1969 وهو ما سار عليه القضاء في كندا واستراليا واتحاد جنوب إفريقيا.
ب) بعض الدساتير التي تنص صراحة على حق القضاء في الرقابة على دستورية القوانين:.
تضمنت الوثائق الدستورية لبعض الدول النص صراحة على حق القضاء في رقابة دستورية القوانين ومن ذلك الدستور السويسري الصادر في سنة 1784وكذلك دستور النمسا الصادر في سنة 1920 الذي نص على إنشاء محكمة دستورية عليا تختص بإلغاء أي قانون أو نص قانوني يتعارض مع الدستور.
ومن ذلك أيضا دستور رومانيا الصادر في سنة 1923 ودستور العراق الصادر في سنة 1925 ودستور ايرلند الصادر في سنة 1937 ودستور اليابان الصادر في سنة 1947 ودستور ايطاليا الصادر في سنة 1947 ودستور ألمانيا الغربية الصادر في سنة 1949 ودستور الصومال الصادر في سنة 1960 ودستور تركيا الصادر في سنة 1961 ودستور الكويت الصادر في سنة 1962 ودستور ليبيا الصادر في سنة 1963 ودستور تشيكوسلوفاكيا الصادر في سنة 1968 ودستور جمهورية مصر العربية الصادر في سنة 1971 والدستور السوري الصادر في 1973 ودستور جمهورية يوغسلافيا الاتحادية الاشتراكية الصادر في سنة 1974 ودستور إسبانيا الصادر في سنة 1978 ودستور بولندا الصادر في سنة 1982 ودستور السودان الصادر في سنة 1998 ودستور مملكة البحرين الصادر في سنة 2002. ولقد أخذت معظم الدساتير في وسط أوروبا والتي صدرت عقب سقوط الشيوعية بالرقابة القضائية وانشأت محكمة دستورية تتولى الرقابة على دستورية القوانين ومن ذلك دستور المجر سنة 1989 ودستور بلغاريا سنة 1991 ودستور رومانيا سنة 1992 ودستور سلوفاكيا سنة 1993 ودستور التشيك سنة 1993 ودستور يوغسلافيا سنة 1993 ودستور بولندا سنة 1997.
ج- الرقابة القضائية على دستورية القوانين تتفق مع طبيعة عمل القاضي لا شك ان الرقابة عن طريق هيئة قضائية وسيلة منطقية يفرضها حكم عمل القاضي لأنه وهو يقوم بتطبيق القانون على ما يعرض أمامه من منازعات يكون ملزما عند تعارض قانون عادي مع نص دستوري ان يستبعد القانون العادي ويعمل حكم الدستور فالقاضي مقيد في حكمه بقوانين الدولة العادية كما هو مقيد بالدستور الذي يعد القانون الأساس لها، وما دامت النصوص القانونية القائمة في الدولة مختلفة في الدرجة فإن المنطق يقضي بتطبيق القانون الأعلى وإهدار القانون الأدنى في حالة التعارض بينهما وبالتالي فإذا تعارض قانون مع الدستور وجب تطبيق الدستور دون القانون.وفضلا عن ذلك تمتاز الرقابة القضائية بحياد القاضي وبعده عن تيارات السياسة وأهواء الأحزاب كما ان التكوين القانوني لرجال القضاء يؤهلهم للقيام بالرقابة على دستورية القوانين نظرا للطبيعة القانونية التي تتصف بها موضوعات هذه الرقابة.
والرقابة القضائية على دستورية القوانين ليست من اجل اضفاء حماية قضائية على قواعد غير قانونية وليست من اجل تمكين القضاء وحده من الامساك بحقائق القانون وانما هي من اجل التمكين للدولة القانونية القائمة على سيادة القانون والحيلولة دون الاخذ بمفاهيم لم يسمح بها المشرع الدستوري والدفاع على إرادة الشعب الذي أصدر الدستور وبالتالي حماية الديمقراطية.
وتعتبر الرقابة القضائية على دستورية القوانين من الوظائف الفنية القضائية حين ينهض بها قضاه متخصصون قادرون على كفالة الرقابة على القوانين وهي وظيفة إبداعية تفوق بكثير الوظائف القضائية التقليدية التي يغلب عليها عنصر التطبيق وخدمة القوانين القائمة فمنهج تفسير القضاء الدستوري للدستور يختلف كثيرا عن منهج جهات القضاء الأخرى في تفسير القوانين اذ يتمتع بحرية واسعة تتيح له التجاوب مع احتياجات المجتمع المتطورة فالدستور- كما تقول المحكمة الدستورية العليا في مصر- وثيقة تقدمية لا ترتد مفاهيمها إلى حقبة ماضية وانما تمثل القواعد التي يقوم عليها والتي صاغتها الإرادة الشعبية انطلاقة إلى تغير لا يصد عنه التطور آفاقه الرحبة..
والصورة التي تمارس بها الرقابة القضائية ليست موحدة دائما إذ تختلف دساتير الدول في تحديد الهيئات القضائية التي توكل إليها مهمة رقابة دستورية القوانين كما تختلف هذه الدساتير أيضا في كيفية تحريك الدعوى أمام هذه الهيئات القضائية وتختلف كذلك في تحديد السلطات المخولة للهيئة القضائية في حالة مخالفة القانون العادي لاحكام وقواعد الوثيقة الدستورية أو لأحكام القانون الأساسي الذي يحتل مرتبة أعلى من مرتبة القوانين العادية.
ثالثا:. بعض القوانين او النصوص القانونية التي تخالف الدستور الأردني أولا:. قانون الاستملاك:.
المادة /11 دستور والتي جاء فيها (لا يستملك ملك احد إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل حسبما يعين في القانون).
وجه المخالفة ان المادة 11 من قانون الاستملاك حددت عدم التعويض عن الربع القانوني في حالة استملاك الشوارع والمباني
ثانيا:. قانون العقوبات:.
المادة 389/5:. ظروف تجلب الشبهة تخالف المادة 16 من الدستور والتي جاء فيها ((للأردنيين حق الاجتماع ضمن حدود القانون)) كذلك وقف تنفيذ العقوبة حددت المادة / 54 يجوز للمحكمة عند الحكم بالحبس في جناية او جنحة لمدة لا تزيد عن سنة ان نأمر بوقف تنفيذ العقوبة وفقا للأحكام والشروط / وجه المخالفة طالما ان القاضي الجزائي يملك كافة الصلاحيات لماذا نقيده بوقف العقوبة لمن حكم عليه لمدة لا تزيد عن سنة الأصل ان تكون الحرية للقاضي، الذي يملك الكل يملك الجزء ووجه المخالفة أيضا للمادة 17 والمادة 102 من الدستور المشار إليها بأعلاه من الدستور القضاء مستقلون.
- م/97 دستور:. القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.
- م/102 تمارس المحاكم النظامية في المملكة حق القضاء على جميع الأشخاص في جميع المواد المدنية والجزائية........الخ.
ثالثا:.قانون التحكيم.
المادة/51:. إذا قضت المحكمة المختصة بتأييد الحكم وجب عليها ان تأمر بتنفيذه ويكون قرارها قطعيا وإذا قضت بالبطلان يكون قراراها قابلا للتمييز خلال 30 يوما وجه المخالفة ان حق الطعن من الحقوق الأساسية المقررة في القانون للخصوم فلماذا الاستثناء؟؟؟
رابعا:. قانون الاثار رقم 31/ لسنة 88.
المادة /30:. على الرغم مما ورد في أي قانون آخر لا يؤخذ بالأسباب المخففة التقديرية لتنزيل العقوبة عن الحد الأدنى المقرر لأي مخالفة من المخالفات المنصوص عليها في القانون حتى الشروع لا يخفف.
أين صلاحيات القاضي؟؟؟ ووجه المخالفة مخالفة النص الدستوري في المادتين 97 و102 من الدستور الأردني المشار إليهما آنفا.
خامسا:. قانون الأحوال المدنية:.
حيث ورد النص في المادة 35 بعدم جواز تعديل تاريخ الولادة ومكانها بأي حال من الأحوال.
ووجه المخالفة:. مخالفة النص الدستوري في المادتين 97 و102 من الدستور الأردني المشار إليهما آنفا.
سادسا:. قانون الإجماعات العامة رقم 45 لسنة 2001:.
المادة /3 على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر يحظر عقد أي اجتماع عام او ينظم مسيرة الا بعد تقديم طلب لهذه الغاية ويعتبر قراره نهائيا مخالفين حظر الاجتماع وقرار نهائي.
ووجه المخالفة:.
م/16 للأردنيين حق الاجتماع ضمن حدود القانون.
م/17 حق التظلم للأردنيين الحق في مخاطبة السلطات العامة فيما ينوبهم من أمور شخصية.
الخلاصة:.
اننا بأمس الحاجة قضاة ومحامين إلى البدء بالطعن في كل قانون او مادة أو نظام يخالف الدستور وان تأخذ المحاكم بذلك وتتصدى من تلقاء نفسها لأن ذلك من النظام العام ونأمل من كافة المحاكم اعتبار أية قرارات صادرة في هذا الأمر هي مرجعية لبقية المحاكم.
المحامي الدكتور محمد سالم ملحم
|